تحركت بعض القطاعات التربوية أخيرا تزامنا مع بدء تنفيذ برنامج التوعية بأضرار التدخين التي تتبناها السعودية ممثلة بجميع جهاتها في خطوات متسارعة نحو مواصلة سيرها الحثيث في تنبيه الأفراد للأخطار التي تحيط بالإنسان في بدنه وماله جراء تعاطي التبغ وسط ما تقوم به السعودية من تشديد على أصحاب المحال التجارية لعدم بيع الطلبة والمراهقين ومن هم من دون الـ17 أي نوع من أنواع التبغ.
وفي هذا الاتجاه، أصدرت مدارس الرياض للبنين والبنات أمس كتيبا بعنوان «لا للتدخين» تضمن وثيقة عمرها أكثر من 80 عاما جاءت بتوقيع الملك عبد العزيز ـ رحمه الله ـ في 20 من شهر شوال عام 1344 للهجرة والتي تقضي بتحريم التدخين ومعاقبة متعاطيه لأضراره الصحية والمادية.
وجاءت في الوثيقة «إعلان الحكومة أنه بموجب الحرص على تطهير البلاد من جميع الدنس ولمصالح العباد والمضرة في أمور دينهم ودنياهم وأبدانهم، أن جميع المسكرات من استعملها فإنه في خطر ويصير جان على نفسه، لافتة إلى أنه سيمضي فيه الحد الذي تقتضيه الشريعة».
وقال الملك عبد العزيز في الوثيقة «إن الدخان فلا عندنا شك في تحريمه لأنه مسكر ومضر للبدن وتبذير للمال فحالا نعلن أن من استعمله واطلع عليه بذلك أنه أول مرة يحبس 3 أيام وعند خروجه يسلم للحّباس مجيدي ـ عملة ذلك الوقت ـ ومن عاد إليه ثانية يحبس 10 أيام ويؤخذ عليه 10 مجايدة تدخل في البلدية ومن تجاوز ذلك يضاعف له الأدب ومن تعدى ذلك عزرنا به والله يتولانا وإياكم لما يحبه ويرضاه».
ويشير عبد الرحمن بن سعود العجاجي مدير عام المدارس إلى أن الملك عبد العزيز اتخذ من الدين الذي جاء به محمد دستوره وقانونه ونظامه وشعاره فأخذ بتطبيق هذا إدارة مملكته لتطهيرها من المحرمات وما نهى عنه الشرع فكان أن أصدر هذه الوثيقة قبل 80 عاما كأول توجيه رسمي بتحريم المخدرات ومعاقبة متعاطيها، ولعلها الوثيقة الأولى عالميا التي تتصدى لأخطار التدخين وإن كانت منبثقة من تعليمات الشرع لا الطب الذي أثبت ضرر التبغ فيما بعد.
وأبان العجاجي أن المخدرات والمسكرات بمفهومها الحالي غير موجودة في هذه البلاد في ذلك الوقت، حيث أن تحريمها ليس محل نقاش، ومجرد ذكر المسكرات يثير الفزع بين المواطنين فما بالك بتعاطيها، مبينا ان للملك رأيا في التدخين مستأنسا به برأي من حوله من العلماء والفقهاء. ولفت العجاجي الى أن الوثيقة سبقت زمانها بعقود وحسمت أمر التدخين والمخدرات أيا كانت مسمياتهما، مشددا على أن وثيقة كهذه حري بها أن تدرس خاصة وقد صدرت قبل ثمانين عاما.
من جانبه، يبين الكتاب أن التدخين له علاقة وثيقة بسرطان الفم والحنجرة والرئة، كما أنه سبب رئيسي لأمراض الجهاز التنفسي المزمنة وله أضرار سيئة على الحامل وجنينها، ويعد عاملا رئيسيا لحدوث جلطات القلب والذبحة الصدرية وأمراض الأوعية الدموية بالجسم، مشددا على أن أثر التدخين لا ينحصر على المدخن فقط بل ينتقل إلى من حوله ومن يعيش معه في المنزل حيث يعرض الأطفال لأزمات ضيق تنفس ويعرض البالغين لأمراض القلب والسرطان.
وكشف الكتيب الذي أصدرته مدارس الرياض أن شركة «فيليب موريس» كبرى شركات إنتاج السجائر في العالم تتبرع بنحو 12 في المائة من صافي ربحها اليومي لإسرائيل، في حين تخسر السعودية 5 مليارات ريال (1.3 مليار دولار)، سنويا بسبب التبغ ومشتقاته، مبينا أن الإحصاءات الخاصة بالتدخين تدعو للذهول إذ أن ثلث سكان العالم من البالغين يدخنون السجائر نصفهم معرضون للموت مبكرا، وفي حال استمر هذا الاتجاه التصاعدي لهذه الأرقام فسوف يحصد التبع أرواح نصف مليون نسمة على قيد الحياة في الوقت الحاضر، وفي عام 2020 سوف يتسبب التبغ في وفاة ثلث سكان العالم من البالغين.
وأفاد الكتيب بأن ما يجري في التدخين من مضار تمثله الشيشة التي تعتمد على «المعسّل والجراك» الذي أثبتت دراسة في جامعة الملك عبدالعزيز في جدة استمرت 4 سنوات أن «المعسل» هو تبغ خالص مع كمية كبيرة من الأصباغ والنكهات وهو لا يخضع لرقابة طبية، مشيرا إلى «الجراك» يحتوي على 15 في المائة من التبغ المخلوط ببعض الفواكة والعسل ثم يطبخ ويخمر.
وأشار الكتيب إلى أن مدخني الشيشة معرضون لمرض «الانفزيما» في الرئة الذي يعد من أشرس وأشد امراض الجهاز التنفسي ويسبب انتفاخ الحويصلات الرئوية، مما يؤدي إلى زيادة نسبة ثاني أكسيد الكربون ونقص الأوكسجين، وانتشار السل الرئوي نتيجة تداول خرطوم الشيشة بين المدخنين، وإصابة مدخني الشيشة بجميع الأمراض التي يصاب بها مدخنو السجائر إضافة إلى أنه يؤثر تأثيرا بالغا على جمال الوجه المؤدي للتجاعيد حول العينين وحول الشفاة، ويتجوف الخد بسبب الجهد العضلي المبذول في حركة الشهيق، ويميل لون الوجه إلى الرمادي، وتظهر بوادر الشيخوخة المبكرة إضافة إلى تلوث الأسنان باللون البني.
وكانت السعودية قد أصدرت سابقا عددا من الأوامر والتعليمات السامية بشأن مكافحة التدخين كان أبرزها إلزام موردي التبغ وضع تحذير باللغة العربية على علبة الدخان «التدخين ضار بالصحة»، كما أكدت منع تعاطيه في مكاتب الوزارات والمصالح الحكومية والمؤسسات العامة وفروعها وكافة الوحدات التابعة لها ووضع لوحات تحمل عبارات المنع ومتابعة تنفيذ ذلك بكل دقة، إضافة إلى منع نشر الإعلانات عن التدخين في الصحف وإلزام المطبوعات الأجنبية بتضمين ما تنشره تحذيرا عن أضراره على الصحة.
كما رفعت الحكومة الرسوم الجمركية على التبغ ومشتقاته إلى 50 في المائة، بدلا من 30 في المائة، والموافقة الملكية على قيام الحملة الوطنية لمكافحة التدخين والتأكيد على الوزارات والمصالح الحكومية والجهات التابعة لها أو المرتبطة بها بالتعاون مع القائمين على الحملة.