عندما تبلغ الذنوب مداها، وتتمكن من قلب الإنسان فإنّ نفسه تسوّل له أحيانا أنه لن يستطيع أن يقلع عن تلك المعاصي التي جلبت عليه كل هذه المعاناة؛ فيظل مستسلما لها وتشل حركته عن التفكير فى أي سبيل للإقلاع عن هذه المعاصي، وفى هذه الحالة غالبا ما يحتاج الفرد منا إلى من يذكره بالله سبحانه وتعالى، ويشدّ على يده للإقلاع عن تلك الذنوب ، مستغلا في ذلك مواسم الطاعات التى تصفد فيها الشياطين مثل شهر رمضان، وهو ما يسهل المهمة عليه لاسيما إذا كان المذنب مازال قريبا من الله فى العبادات الأخرى، ويحبّ العيش في رياض الله، وأنّ كل مشكلته تتمثل فى هذا الذنب البغيض.
والقصة لشاب مسلم ظلّ يعانى من التدخين لمدة عشرين سنة، حينما كان طالبا، وكان يجتمع مع زملائه لمذاكرة الدروس، فانضمّ إليهم أحد أصدقاء السوء ممن ابتلوا بالتدخين، وقال لهم: إنّ التدخين يساعد على التركيز والفهم، وإنّه جرّب ذلك، وطلب منهم أن يخوضوا التجربة، وكان صاحب القصة أوّل المدخنين، وأصبح يخصص كل مبلغ مالي يحصل عليه؛ ليشتري السجائر حتى صار يتعاطى عشرين سيجارة في اليوم الواحد، وفى هذه الأوقات استطاع الشيطان أن ينسيه أن ما يقوم به من ذنب يغضب الله سبحانه وتعالى، حتى عندما كان يفكر فى الإقلاع عنه لم يكن ذلك بهدف إرضاء الله، ولكن من أجل النظرة السلبية من المجتمع للمدخِّن؛ للحفاظ على صحته و توفير المال ولم يفكّر يوما أن يترك التدخين لله.
غفلة تامة عن الله، وقسوة كبيرة ملأت قلبه، وفراق عظيم بينه وبين الله تسببّ فيه ذلك الذنب اللعين الذي يقف خلفه شيطان رجيم، لا يترك أى فرصة فى أن يبعد العباد عن الله، وكانت هذه هي حالة الشاب المسلم الذي يقول عن نفسه فى كتاب "عبر وعظات من قصص التائبين والتائبات":قبل أن يهديني الله إلى ترك التدخين تحوّلت إلى مدخنة بشرية متحركة، أشرب الدخان بشراهة حتى أصبحت أدخن أربع علب يوميا، بمعدل ثمانين سيجارة شهريا، فالسيجارة لم تكن تغادر فمي منذ الاستيقاظ صباحا وحتى أنام ليلا، بل أحيانا ما كنت أقوم من نومي لأشعل سيجارة، وأعود إلى النوم مرة أخرى!
كان أبرز ما يميز المكان الذي أجلس فيه سواء في العمل أو البيت أو عند أحد أصدقائي- هو الضباب الكثيف المتصاعد من دخان السيجارة وذلك وسط حالة من الفتور الدائم، والكسل التى تعتريني، وفى الوقت نفسه كنت أعاني من بلغم أسود، وكحّة مستمرة، لا ينفع معها العلاج.. وشفتين سوداوين، وعينين حمراوين، ووجه عبوس.. المكان الذي لا أستطيع أن أدخن فيه لأي سبب كنت أغادره فورا، وكنت دائما أتعجّل في أداء الصلوات حتى أعود للسيجارة!
حتى في رمضان يكون افطارى على التبغ قبل التمر أحيانا.. خطوات ثقيلة عند السير، وريق ناشف.. أشرب الشاي والماء بكثرة ولهفة.. حالة يرثى لها لا يفرح لها عدو ولا صديق، بعد مجموعة من المحاولات الفاشلة وصلت إلى قناعة بألا أحاول مرة أخرى ترك التدخين، فقد بلغ اليأس والقنوط مبلغهما مني، حتى أنني أصبحت أتخيل أنني سأموت وفي فمي سيجارة.
وكانت اللحظة الحاسمة فى إحدى الليالي المباركة من العشر الأواخر من شهر رمضان حينما كان الشاب يصلى القيام مع أخيه فى أحد مساجد حي الناصرية بالرياض، وبعد التسليمة الثانية يستريح عادة القائمون قليلا، لشرب الماء أو القهوة والشاي قبل مواصلة قيامهم، فسوّلت له نفسه أن يخرج من المسجد ليشرب سيجارة، ثم يعود لمواصلة الصلاة، ولم يكتف بهذا الأمر، بل قال لأخيه الفكرة التى وردت اليه، وكان أخهه أكثر يقظة منه، وهو في رحاب الله، فقال له: ما رأيك بدلا من الذهاب إلى شرب سيجارة أن ندعو الله أن يعيننا على تركه، وأن نترك الدخان لله، وخوفا من عقابه، وطمعًا في رحمته، وأن نجتهد في الدعاء حتى نهاية القيام سائلين الله ألا يردنا خائبين هذه الليلة، وأن يكرمنا بالهداية.
ويقول الشاب: فوقعت كلماته من نفسي موقعا حسنا ووجدت آذانا صاغية، وواصلنا القيام، وبعد نهايته أخرجت أنا وأخي وأخرجنا ما تبقى من سجائر من جيوبنا وسحقناها أمام المسجد، وتعاهدنا ألا نشرب الدخان مرة ثانية من تلك الليلة المباركة
