د. عبدالله السويجي
لفت انتباهي خبر عن انتشار ظاهرة التدخين في مدارسنا، سواء بين الأولاد أو البنات، وما أحزنني هو انتشار هذه الظاهرة في المدارس الابتدائية والإعدادية، الأمر الذي يقود إلى أسئلة تربوية مهمة، إن على صعيد الأسرة أو المدرسة أو المجتمع.
ومع البحث والتقصي وجدت أن الظاهرة منتشرة في دول الخليج. منطقياً تسترعي الانتباه نظرا للرفاهية وتداخل الأجناس ومستوى الانفتاح، حيث إن نسب انتشار ظاهرة التدخين في مدارس المملكة العربية السعودية والكويت مرتفعة جدا، واستطرادا للموضوع وجدت أن ظاهرة التدخين تستشري بين النساء، خاصة في المجتمعات التي نظن أنها محافظة. ومع مزيد من البحث تبين أن الظاهرة عربية، فنسبة التدخين بين التلاميذ والتلميذات في مدارس مصر وموريتانيا مرتفعة جدا، خاصة أن هنالك عدم وجود وعي نحو أضرار تدخين الشيشة، فلا يعتبرها البعض تدخينا وإنما تسلية. وليس مهماً أن تكون الظاهرة عالمية ومنتشرة في بلدان أمريكا وفرنسا واستراليا وغيرها، لأننا، وهذا من المفترض أن يكون، نختلف في عاداتنا وتقاليدنا وقيمنا، كما نختلف في عقيدتنا، ونزعم أن مجتمعنا متماسك ويتحلى بنظام قيمي وتواصل اجتماعي.
وعودة إلى وطننا الغالي، لفت انتباهي خبر ينقل إحصائية عن تزايد عدد الأطفال الذين يعانون من أورام سرطانية، إذ صرح الدكتور عزام الزعبي، رئيس قسم أمراض الدم والأورام عند الأطفال، لجريدة “الخليج” بتاريخ 28 يناير الماضي، بأن إجمالي مرضى السرطان الذين استقبلهم قسم معالجة أورام الأطفال خلال السنوات الأربع الماضية بلغ 190 طفلا، وقال إن إجمالي حالات السرطان الجديدة بين الأطفال التي تلقاها القسم في مدينة الشيخ خليفة الطبية في أبوظبي في العام 2004 بلغت 38 إصابة، وفي العام 2005 بلغت الإصابات 56 إصابة وفي العام 2006 بلغت 68 إصابة، وفي العام 2007 بلغت 79 إصابة، والأخطر من ذلك أن 90% من الإصابات مواطنون، وإن أعمار المصابين تتراوح بين سنة و 14 سنة، وقال بأن القسم تلقى حالة عمرها يوماً واحداً.
ولعلنا نربط منذ الوهلة الأولى، بين انتشار نسبة التدخين وبين انتشار مرض السرطان بين الصغار والكبار، ذكورا وإناثا، من دون أن ننسى الأسباب الأخرى الناتجة عن التلوث واستخدام المعلبات والمواد الكيماوية في زراعة الخضار، والمواد الحافظة والملونات، وتناول أطعمة مقلية بزيوت متأكسدة، وترك رعاية الأطفال للمربيات وغيرها من الأسباب الوجيهة جداً.
ومن الملاحظ أيضا أن نسبة وأعداد الإصابات بمرض السرطان في ازدياد، أي أنها تضاعفت منذ العام 2004 حتى العام ،2007 وهو أمر ينذر بخطر شديد قادم، ولا أحد يعلم الأرقام التي سيتم الإعلان عنها للعام 2008. إن انتشار التدخين والأمراض ذات الصلة، تحتم علينا إعادة النظر في المنظومة التربوية وأساليب العيش والوسائل الزراعية والتغذية، وهو ما يعني دراسة مستفيضة للإيقاع اليومي للأسرة، في البيت والمدرسة والسوق والتغذية، ودراسة مستفيضة أيضا لكل ما يتعلق بأساليب الرعاية الصحية ونظام الرقابة الغذائية، ونظام فحص الأغذية والمياه، ومراقبة السوق بشكل عام، وما يحتويه من مطاعم ومواد غذائية وغيرها. لأن الإحصائيات غير طبيعية ولا تبشر إلا بحدوث كارثة صحية.
لماذا يقدم التلميذ في سن صغيرة على تدخين السجائر؟ هل لكي يشعر أنه كبير وبالغ يحاكي الكبار؟ أم لأنه يعاشر أصدقاء السوء؟ أم لأنه يرى الكبار الذين يحيطون به يدخنون؟ أم لأنه يعاني من الفراغ والملل؟ أم لأنه يمر في مرحلة الاكتشاف؟ أم لأنه يحيا حياة رفاهية، أم لأنه غير مراقب؟ أم لأن التوعية خاطئة في أساليبها وأهدافها؟ أم لأن التربية في المدرسة والبيت تفتقر إلى التأثير؟ أم لأن المناهج قاصرة عن توصيل المعلومة بخطورة التدخين؟
يمكننا طرح أسئلة بحجم صفحة جريدة، ويمكننا القول أن كل تلك الأسباب يمكن أخذها في الاعتبار للوصول إلى الحقيقة، لأن كل واحد يفضي إلى الآخر، ولكن هنالك أسئلة جوهرية وأخرى ثانوية، ولا شك أن البيئة المنزلية والبيئة المدرسية تلعبان دورا حاسما في تربية التلميذ أو التلميذة، فبيوتنا باردة عاطفيا حد الصقيع والتجمد، ومتابعتنا غائبة حتى حد الندرة، ومدارسنا تفتقر إلى الإنسانية في التعاطي مع الطالب، لأنها تتعامل معه كذاكرة إلكترونية يجب تزويدها بالمعلومات فقط، وعليه أن يحفظها ويسترجعها وقت الامتحان، والهدف التربوي ينحصر في المنهج العلمي بعيدا عن المنهج الإنساني، فيتحول الطالب إلى إنسان آلي. والأمر ذاته يحدث في المنزل، كل مشغول بقضاياه الشخصية، بتجارته ووظيفته ومشاويره وعلاقاته الخارجية، أما الدفء المنزلي الذي ينتج عن الجلسة العائلية التي يجتمع فيها كل أفراد الأسرة من أبناء وبنات وأب وأم فتكاد تكون نادرة، ويعتقد الأهل أن حاجة الطفل هي الأكل والشرب والنظافة والذهاب إلى المدرسة والسوق والعودة منها، وهذا يقوم به السائق أو السائقة، والمربية والطباخة، ولن يتدخل الأهل إلا وقت حدوث كارثة صحية، بدنية كانت أو أخلاقية، الأمر الذي يجعل التربية تفقد محتواها ولا تلامس حدود المسؤولية الإنسانية. أما الحديث عن نوعية الطعام ومراقبة الأسواق، فإن إحصائية الدكتور عزام كافية للإجابة عن كل الأسئلة ذات الصلة بالفلتان الصحي والغذائي والتجاري. أما الإعلام فهو مشغول انشغالا تاما بالفنانين والمسلسلات وأفلام المغامرات والرسوم المتحركة المستوردة، مع غياب شبه تام لبرامج الأطفال المدروسة بعناية، أو صفحات الأطفال في الصحف اليومية أو المجلات الدورية، بل حتى مجلات الأطفال ( التي لا يقرأها الأطفال) لا تحتوي إلا على التسلية والمسابقات والمعلومات المعلبة، فكيف تريدون تجنيب الطفل التدخين، وكيف سينجو من السرطان البدني والأخلاقي؟ وكيف ستمنعونه من ممارسة السلوكيات الخاطئة.
إن قضية تدخين الأطفال في المدارس، رغم أنها تبدو عادية في مجتمع مفتوح، ويبررها الناس بأنها عالمية، إلا أن خطورتها أكبر وأكثر مما قد يظنه البعض. وحسب ظني فإن إرجاع الظاهرة إلى ما ذكرناه قبل قليل هو تهرب من المسؤولية، وغض الطرف عن كارثة تحدق بنا. وفي الواقع، فإن إستراتيجية غض النظر بشأن أمور كثيرة، هي التي أوصلتنا إلى هذا الواقع المزدحم بالمشاكل الجوهرية، حتى بات البحث عن حل يواجه بصعوبات جمة، إلى درجة الإحجام عنه والسكوت عليه والتهرب منه، لأن الأزمة في بعض نواحي الحياة تضخمت وأصبحت مستعصية على الحل. فهل سنترك الأزمات تطحننا بلا هوادة؟ وهل سنترك الأجيال الصاعدة في مهب الإدمان؟ اليوم سيجارة وغدا الحشيش وبعد غد المخدرات ثم الأفلام الخليعة وفي النهاية الضياع والإقامة في المستشفيات.
إن الفاتورة التي ستدفعها الدولة باهظة جدا لعلاج هذه المشكلات، وقد تكون الفاتورة التي سيدفعها الأهل أكبر من فاتورة الدولة، لأن الأهل سيدفعون ثمن خسارتهم لأبنائهم وفلذات أكبادهم. فمن سيبدأ باتخاذ الخطوة الأولى، الأسرة أم الدولة؟
|