 |
|
التدخين ضار. التدخين قاتل. كم سيجارة أدخن مع كتابة كل مقال؟ لا أدري. ولكنني أدري أنني أدخن بشراسة انتحارية يضيع فيها العدد، وتضيع فيها قدرتي على التنفس. وأنني في آن، أحاول مرة بعد مرة، ترك هذه "العادة الوحشية المهلكة"، وانتزاع هذه "الدودة المحشوة بالسم" من فمي وصدري، ثم سحقها بوحشية توازي عدوانيتها المفرطة ضدي، فأفشل فشلاً ذريعاً ومضحكاً إلى حد السخرية. هل تحولت الدودة إلى "ريحانة العمر" التي تشم وتضم، في نهج غامض يحسب فيه الخرمان أن الموت البطيء والفارغ من أي معنى هو الحياة الأكثر امتلاء وبهاء بأعلى درجات تسارعها؟ لغو بلاغي باهت. صحيح. وما أشد تعلق الكتابة بهذا اللغو! هل الكتابة في المحصلة الرمادية، انتحار؟ من المفجع أن ينشأ هذا السؤال أصلا. فالكتابة أساسا، فرح غامر لصاحبها. هل هذا الفرح بالذات، كذبة كبرى يتقن إنشادها الكُتّاب والشعراء والفنانون والصحافيون والمفكرون على مدار الساعة، وهم مدركون أنهم عبيد الدودة؟ لا أدري. من المفيد مع ذلك، أن أعرف أن كاتبا واحدا على الأقل، يكتب بلا سيجارة في فمه وبين أصابعه وعلى عينيه وقمصانه ودفاتره وهذيانه. إن وجود مثل هذا الكاتب كاف للأمل في وجود نهج نظيف، بلا سحب مراوغة من دخان، وبلا زفت وقطران، وبلا جريمة. يعني أن التدخين في أخطر توصيفاته، جريمة؟ نعم. والمدخن مجرم. والكاتب على ذلك، وطالما استعبدته الدودة، مجرم. هل أنا مجرم في خلاصة هذا الشقاء الإبداعي، أو الإبداع الشقي؟ ألا نربط بين الإبداع والشقاء؟ لماذا نربط هذا بذاك؟ أم أن غرور المعنيين المدخنين هو الرابط ولو على "الآلة الحدباء"؟ أحس بفزع شديد. ليس ما أعنيه إحساس الحياة المهدورة في الرماد. ولكنه وجع الإرادة الممزقة والمحترقة. لماذا لا أتمكن من إطفاء سيجارتي الآن، بهدوء ولطف، وبلا أي عنف؟ فقط، أن أضغط على رأس الدودة، وأن أنتهي من المهزلة بسلام؟ كأنني أتحدث مع شخص آخر؟ كأنني أكرر الكذب بأداء تمثيلي هابط جدا؟ كأنني لا أفهم شيئا؟ المسألة بالنسبة لي هكذا: التدخين ليس وحده القائم "على أسنة الرماح" في سلسلة الضرر والقتل. الواقع أنه الأقل بروزا في هذه السلسلة من سواه، فلماذا أدخل في صراع دام معه، أعرف سلفاً أنني الخاسر فيه؟ والأهم، أنني لا أكرهه إلى درجة القناعة الجدية بحتمية خوض هذا الصراع! هل أحبه مثلا؟ لا يد لي كما يبدو، من الاستنجاد بجمعيات مكافحة التدخين. يحق لهذه الجمعيات أن تشارك في هذا المونولوج، بكفاءة عالية. غير أنها لن تستطيع أن تحول هذا الحق إلى عادة دارجة. كم أحسد غير المدمنين على عشق الدودة، وهم يدمنون قتلها بدلا من قتلهم! كيف لهذا الحسد أن يتحول إلى عشق مغاير؟ إلى عادة مغايرة؟ ومتى تنتهي ظلال المساحة المتبقية لهذا المقال، حتى أخرج إلى الهواء النقي في البستان؟
أرفع أصابعي عن أزرار الأحرف في الكمبيوتر. أجرؤ أخيرا على ترك السيجارة في المنفضة. هل أطفأتها؟ هل سحقتها فيها؟ أهرب بما بقي لي من نسيج شبه حي في رئتيّ. ولا شأن لي في الهروب سوى أن أتنفس بين هذه الأشجار التي تنفست قبلي بأجمل ما أنتجته الطبيعة من خلق لها، فاتن ومنعش على الأرض.
أتفتح بكل ما ملكت كهولتي من طاقة صباها الكامنة، عند زهرة اللوز وزهرة المشمش وزهرة الخوخ. بحر من قلائد اللؤلؤ والمرجان؟ ولكنه تشبيه تقليدي بليد. بحر من الفتنة النورانية؟ لا بأس. بحر من النسيان المطمئن إلى ذاته المنداحة في الندى الخفي؟ أنسى. ثم أنكمش على يقظة طاغية وساخنة. لماذا أنكمش مثل حيوان جريح؟ لماذا ينكمش الكاتب في صدمة الفضاء النقي؟ هذا طقس الخماسين الذي يبكر بالدفء قبل عواصف الغبار، فكيف لا أتمتع به في الصبح الجميل؟ أتذكر إيليا أبو ماضي: "وتمتع بالصبح ما دمت فيه، لا تخف أن يزول حتى يزولَ". أنا الزائل. وبي كل داء. "أيهذا الشاكي وما بك داء، كيف تغدو إذا غدوت عليلا". أنا العليل من أمس إلى غد. فأية دلالة في التذكر، لولا أنها مسحة اللغو باقية حتى في البستان؟ أم انني أشتاق إلى الدودة في الردة الكلاسيكية، لأدرك فوق إدراكي المتهتك أن المشكلة ليست في المشهد، وإنما هي في الشاهد؟ أنا القائل : "بسجائري بدخانها المرسل، أفنى ويفنى واقعي المثقل/ أرتاح ان ضم الرؤى خدر وشممت بعض رمادي المهمل". وما زالت على لساني بقية من قولي هذا الصبياني، ومن سيجارتي البلهاء الأولى فيه منذ ما قبل خمسين سنة. نصف قرن. خمسة عقود. كم يطول الزمن! كم يقصر كأنه لا يكون؟ بقية من خطأ ماكر وخبيث كنت أزرعه بيدي في جسدي وفي لغتي. تلك كانت في جراب المكر والخبث، مثل مصاصة الطفل، ومثل قصيدة بنت الجيران. فماذا يفعل الساذج في مواجهة الذبحة الصدرية المبكرة؟ ألم يقل ذلك المدخن القديم "أوله دلع، وآخره ولع". آخره على الأصح، حبة كرديل تحت اللسان، لتليين الشرايين المتيبسة والسماح للدم المختنق فيها أن يتدفق من بين التراكمات الصلبة، إلى عضلة القلب المتعبة، وإلى خلايا الدماغ المعرض للسكتة المفاجئة. وآخره في الحقيقة القصوى، بياض الأفق الصاعد من عتمة الحال. بياض الموت.
قال لي أحدهم إن مدخناً في زنازين الاعتقال، استهلك حصته المتاحة من السجائر في أحد الأيام، طلب من مدخن ثان معه في الزنزانة ولم يستهلك كل حصته، أن يعيره سيجارة أو قمع سيجارة. فلما أبى، سأله أن ينفخ دخان سيجارته في فمه المفتوح أمامه، بدلا من نفخه في الهواء! قال لي، فأصابني الذعر الماحق الصاعق وقد تخيلت نفسي في وضع أحدهما، أو في وضع كليهما. وقررت على الفور، أن أتوقف عن التدخين. كان قرارا غير عادي لم أصل إليه تحت ضغط المرض. ولم أقترب منه في تلهف الحرص على بقاء الصحة الوافرة، وعلى حماية أهلي وزواري من التدخين السلبي، وعلى نظافة أصابعي من صبغة النيكوتين الصفراء، وملابسي من خروم الحروق، وبيتي كله من التلوث. كان قرار الكرامة الشخصية. ولعشرة أيام هي الدهر، تمتعت بكرامتي. ثم انكسرتُ فجأة، مثل غصن عتيق جدا ويابس ومهجور، بخديعة من نفسي بنفسي. اشتريت سيجارة بلاستيكية. سيجارة كذابة ووضعتها في فمي. ثم ألقيت بها في سلة المهملات. فأنا لا أريد الضحك على ذقني المفروشة بالشيب. دخنت سيجارة واحدة، وحسبت أنني لن أزيد أبدا. ضاع حسباني في سحابة الدخان، دون اكتراث مني. ولعله ضياع أو تضييع هذه المرة، باكتراث مسبق.
أظن أنني دخنت في البستان. وأظن أن الأشجار المتفجرة بالألوان الزاهية، تفجرت على أشكال شظايا سوداء في فمي وعيني. وأظن أنني عدت إلى الكمبيوتر أنقر على أزراره بمقت وغضب. لماذا لم أكتب عن البلغم المر في جوف المدخن في الصبح؟ لماذا لم أكتب عن السعال المعبأ بالشفرات المدببة وبرادة الحديد؟ لماذا لم أكتب عن الهزيمة المتغلغلة في ذهنية المدخن؟ الدودة ترقب عن كثب، وتنتظر النقرة التالية!.
مكة بدون تبغ !!!!قل رايك؟!!
http://petitions.ensan.net/showpetition.php/petition/27/sort/2/cat/all/page/1
|