التدخين

التدخين جريمة العصر!

في القسم غير محدد

التدخين جريمة العصر!

محمود المبارك      الحياة     - 02/06/08//

أثناء الاستعدادات الأميركية لحرب العراق التي عرفت لاحقاً بـ «حرب الخليج الثانية» عام 1991، قام مندوبون من شركة «فيليب موريس» الأميركية للدخان بزيارة للجنود الأميركيين، الموجودين في الصحراء السعودية، لإظهار التعاطف مع شبان وشابات الولايات المتحدة الذين كانوا ينتظرون أوامر الحرب.

وكبادرة «حسن نية» من الشركة، تم توزيع علب سجائر مجانية تقديراً لأولئك الذين تركوا أهلهم وأحباءهم تلبيةً لواجبهم الوطني. إلا أن «البادرة الحسنة» هذه قوبلت بالتشكيك في داخل الولايات المتحدة، حيث تم تهديد الشركة من قبل مؤسسات حقوقية أميركية برفع دعوى قضائية ضدها إن هي لم تتوقف عن توزيع السجائر المجانية للجنود الأميركيين. وبالفعل، رضخت الشركة للتهديد، وتوقفت عن التوزيع المجاني للسجائر.

ذلك أن ما قامت به شركة «فيليب موريس» من توزيع مجاني لسجائرها، لم يَخْفَ على الحقوقيين الأميركيين الذين رأوا فيه اصطياداً في الماء العكر لأولئك الشبان والشابات الذين يعيشون الجوّ الحار في الصحراء الخالية من كل أنواع اللهو، وأن فترة انتظار الجنود الطويلة كفيلة بأن تجعلهم «يتسلَّون» بتلك السجائر، الأمر الذي قد يؤول في نهايته إلى إدمانهم على الدخان، ليصبحوا زبائن دائمين.

بالأمس حيث احتفلت منظمة الصحة العالمية بـ «اليوم العالمي للامتناع عن التدخين»، ربما كان حرياً بالمنظمة الدولية أن تتعلم أن وقف هذا السم القاتل للشعوب لا يكون إلا بالمواجهة القضائية. ذلك أن شركات الدخان العالمية استطاعت أن تخدع الناس فترة ليست بالقصيرة، في إعطائهم «السم في الدسم» كما يقال في الأمثال.

فبحسب إحصاءات منظمة الصحة العالمية يقتل 5 ملايين و400 ألف شخص سنوياً، بسبب الأمراض الناشئة عن التدخين، وهو رقم لا يضاهيه قتلى الحروب الدولية مجتمعة! وإن كان المؤلم أن غالبية المتضررين هم من المنتمين إلى الدول الفقيرة، حيث قلة توافر العلاج من ناحية، وعدم القدرة على تحمل تكاليف الرعاية الصحية من ناحية أخرى.

ففي العالم العربي وحده، تستورد الدول العربية قرابة 200 بليون سيجارة سنوياً - غالبها من شركات التبغ الأميركية - وهو أكثر مما تنفقه الدول العربية على التعليم والصحة. وبخلاف الدول الغربية التي يتناقص فيها عدد المدخنين عاماً بعد عام - بسبب الوعي الذي تنشره مؤسسات المجتمع الغربي المختلفة، وبسبب التضييق الرسمي على الأماكن المسموح فيها بالتدخين – يزداد عدد المدخنين في العالم العربي، حيث تصل نسبة المدخنين العامة إلى قرابة 50 في المئة من مجموع السكان.

وبنظرة عاجلة إلى بعض الأرقام التي أعلنتها إحصاءات منظمة الصحة العالمية، في الدول العربية والمسلمة، نجد أن ما يصرف على الدخان في هذه البلدان يفوق كل التوقعات المنطقية وغير المنطقية.

فعلى سبيل المثال، في مصر وحدها، ينفق المصريون أكثر من 30 في المئة من متوسط دخولهم على السجائر، حيث يبلغ عدد المدخنين قرابة عشرين مليوناً خمسهم من الأطفال، وتستورد مصر وحدها أكثر من 50 بليون سيجارة سنوياً، في حين يقدر حجم الإنفاق على علاج الأمراض المتعلقة بالتدخين بأكثر من بليون دولار.

وفي تركيا، ينفق الأتراك قرابة 7 بلايين دولار على السجائر سنوياً. وفي تونس - حيث يوجد 3 ملايين ونصف مليون مدخن من أصل 10 ملايين نسمة - ينفق التونسيون أكثر من ربع دخلهم الفردي على الدخان. بل حتى في العراق يوجد قرابة 7 ملايين ونصف مليون مدخن، ينفقون أكثر من نصف بليون دولار سنوياً على السجائر.

وفي السعودية هناك ستة ملايين مدخن، منهم مليون مدخنة، ينفقون إجمالاً 8 بلايين دولار على شراء أكثر من 15 بليون سيجارة سنوياً، الأمر الذي يضع السعودية في المرتبة الرابعة دولياً من حيث استهلاك التبغ. كما تحتل الكويت على رغم صغرها، المرتبة التاسعة عشرة بين دول العالم في استهلاك التبغ.

المثير في الأمر، ليس فقط الأرقام التي تهدر على هذا المنتج الضار بالإجماع، ولكن أيضاً كلفة علاج المدخنين، إذ يهدد علاج المدخنين اقتصادات دول عربية بأسرها!

ولكن السؤال الذي يجب أن يطرح بقوة بمناسبة الاحتفال بـ «اليوم العالمي للامتناع عن التدخين» هو: لماذا تسمح حكوماتنا العربية والإسلامية بدخول هذا المنتج الذي هو في الحقيقة يعد نوعاً من أسوأ أنواع السموم؟

وإذا كانت الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة تجني ثمرةً مادية من وراء بيعها هذا المنتج، الأمر الذي يجعلها تستمر في إنتاجه وتصديره، فما الذي نجنيه نحن في عالمنا العربي والإسلامي في مقابل ما نخسره حين نسمح ببيع السجائر في بلادنا؟

الغريب في الأمر، أنه حتى الدول التي تظهر عداءً للولايات المتحدة، ما فتئت تعين الشركات الأميركية بإقبالها على سجائرها! وواقع الأمر أن العالم بأسره، على رغم كراهيته للولايات المتحدة، إلا أنه يتسابق على شراء منتجاتها الضارة قبل النافعة! فإيران تستورد سنوياً من الولايات المتحدة ما تقدرّ قيمته بـ50 مليون دولار من منتجات التبغ!

وغني عن القول إن ما استثمرته شركات التبغ العالمية في دعاياتها، خصوصاً في العالم الثالث، قد آتت أكلها في التأثير على الشعوب، إذ تنفق شركات التبغ الأميركية وحدها قرابة بليونين ونصف بليون دولار على اعلانات الترويج للتبغ سنوياً.

ولكن المسؤولية لا تقع على الشعوب، وإنما تقع على الحكومات. فكما تمنع الحكومات أنواع المخدرات في بلدانها لشدة خطرها على شعوبها، عليها أن تسارع الى حظر الدخان بالكامل. ولم يعد خفياً اليوم أن الشعوب لو تركت وما تريد لاستخدمت كل محظور ومضر بصحتها، ومن هنا تأتي المسؤولية السيادية للدول.

الواقع أن الأمر خطير جداً ولا يحتمل التنازل، فنحن نتحدث عن حياة إنسانية، نتسبب في قتلها بطريق بطيء، حين نسمح باستمرار الدخان. ولعله تبين بالتجربة الكافية اليوم، أنه من غير المنطقي طرح حل هذه القضية على أساس اقتصادي، بمعنى زيادة أسعار السجائر، أو رفع الضرائب عليها، لأن هذه الطرق لم تفد قط في كبح جماح المدخنين في السابق، ولن تفيد في المستقبل.

في الوقت ذاته، ليس هناك ما يمنع من معاقبة شركات التبغ العالمية على إضرارها بحياة الناس طوال العقود الماضية، خصوصاً أن هذه الشركات خدعت الناس حول حقيقة الادمان على التبغ، وهي أكبر جريمة عرفها الإنسان في العصر الحديث.

وتبعاً لذلك، فهناك خطوات قانونية يحسن الأخذ بها، فأول خطوة تكون بالبدء في رفع إجراءات التقاضي ضد مصانع الدخان الأجنبية والمحلية، في داخل كل دولة عربية. بحيث يطلب تغريم كل مصنع ينتج هذا المنتج الضار بمبالغ تتناسب مع حجم الأضرار الواقعة، كونه تسبب في هلاك ملايين المواطنين وأضاف على ميزانيات وزارات الصحة انفاق مئات البلايين من الدولارات في علاج الأمراض الناتجة عنه.

وقد أعجبني قبول بعض المحاكم في المملكة العربية السعودية النظر في القضايا المرفوعة ضد شركات الدخان العالمية، لتسببها في الإضرار بحياة الناس. وكما يفعل الغرب في رفع قضايا ضد هذه الشركات، فيجب ألا نألوا نحن جهداً في الشيء ذاته.

الخطوة الثانية تكون في داخل كل بلد عربي أو إسلامي على حدة: في محاكمة وكلاء، بل وموزعي السجائر الذين حصلوا على البلايين أرباحاً من أرواح المواطنين البسطاء، حين روّجوا للبضاعة المسمومة والدعاية الكاذبة، لأنهم ليسوا أفضل من مروجي المخدرات.

الخطوة الثالثة تكون على مستوى المحاكم الدولية، وأعتقد أن هناك قاعدة قانونية جيدة يمكن أن يبنى عليها، إذ ان هذه الآفة التي يقدر لها أن تقتل بين 200 إلى 300 مليون شخص خلال عقود، قد تسببت في «جرائم إبادة» وإن لم يكن مقصودا بها جنس بعينه.

لا يخالجني شك في أن التدخين سينتهي من هذا العالم بإذن الله. ذلك أن الداء الذي يقتل اليوم أكثر من خمسة ملايين شخص سنوياً، ويتوقع لهذا الرقم أن يتضاعف خلال سنوات، لن يستمر في البقاء طويلاً. ولكن، حين يزول هذا الداء من عالمنا، ربما جاء جيل بعد جيلنا، ليسأل ويقول: هل فعلاً كان هناك جيل سابق وصل به الغباء إلى أنه كان يرضى أن يستخدم منتجاً مكتوباً على غلافه أنه سبب رئيسي لأمراض الرئة والسرطان والقلب و... الخ.. الخ، ثم فوق ذلك يدفعون في مقابل ذلك مبلغاً لشرائه؟!

 

حقوقي دولي

01:25 م

 - 

06/ 7/2008


الصفحة السابقة الصفحة التالي
الوصف
مدونة متخصصة في معالجة وباء التدخين . مضاره ، طرق علاجه ، آخر الأخبار المتعلقة.
الرئيسة
الملف
الارشيف
الاصدقاء
مدوناتي الاخيرة
- التدخيييييييييين
- لحماية الصغار من مخاطر التعود على التدخين وادمانه.
- خلال ورشة عمل بمناسبة اليوم العالمي لوقف التدخين
- الأرقام مفزعة: 25 % نسبة نمو أعداد الطلبة المدخنين.. و10% زيادة في عدد المدخنات
- أطباء يحذرون من خطورة تزايد الأمراض المرتبطة مباشرة بالتدخين
- التبغ يحتوي على 4 آلاف مادة كيماوية كلها سامة
- التدخين
- إهماله يؤدي الى مضاعفات خطيرة... التهاب المسالك البولية عند النساء ... الوقاية بالنظافة وشرب الماء
- التدخين آفة عربية
- أول طبيب في ألمانيا يرفض إجراء جراحات للمدخنين
- ظروف العراق هل طردت العيب عن تدخين الفتيات
- تنظيف الرئتين عند المدخنين والاقلاع عن التدخين
- مجلس منطقة الرياض يؤكد أهمية التقيد بمنع التدخين بتاتاً في صالات مطارات المملكة
- دراسة أمريكية: حظر التدخين يؤثر إيجاباً على المراهقين
- السجائر داء.. والسواك الدواء
- التدخين والمجتمع المحافظ !
- دور المرأة في مكافحة التبغ
- مكافحة التبغ لدى المرأة
- أين لجنة الظواهر السلبية من مقاهي الشيشة؟
- شعبية «الشيشة» تتسع في أوروبا وأمريكا.. ونصف طلاب جامعة أمريكية قاموا بتجربتها
- الشيشة
- التدخين..تصحيح بعض المفاهيم ووسائل أخرى للامتناع
- حظر التدخين في هولندا واستثناء تدخين الماريجوانا
- تدخين أطفالنا: استعجال للرجولة أم سبب للكوارث؟! بقلم: عزيز العصا
- سجائر إلكترونية خالية من الدخان ولا تؤذي الصحة
- قطر خالية من التدخين عام 2000
- عجائب الرياض السبع
- الشيشة والقانون، من المنتصر ومن المهزوم
- التدخين جريمة العصر!
- مشاهد يعتليها الدخان
- لبنان الرابع عالمياً في استهلاك التبغ..
- هل تعلم..؟
- التدخين في سوريا
- شددت الجمعية الخيرية لمكافحة التدخين على أهمية عدم بيع الدخان للأحداث والمراهقين بهدف جعل شراء السجائر أمراً صعباً بالنسبة للقصر.
- سيجارة تتوسط الأنامل الناعمة... ودخانها وبال على الأم وجنينها !
- غزة- تقرير معا- أنت مدخن في هذه الأوضاع؟ الإجابة "وشو يعني نعمل"؟ التساؤل يحملك إلى حساب كم علبة دخان ينفثها المدخنون في غزة وكم تكلف وفيما إذا كان أفراد الأسرة أحق بثمنها أم لا؟.
- نظمت أرامكو السعودية مطلع الأسبوع الحالي حملة التوعية الصحية بمناسبة اليوم العالمي لمكافحة التدخين الذي يحتفى به سنوياً في الحادي والثلاثين من مايو .
- شركات التبغ تنفق عشرات المليارات لاصطياد المراهقين
- دق مسؤول سعودي ناقوس الخطر، بعد أن كشفت دراسة حديثة انتشار التدخين بين طالبات المرحلة المتوسطة
- مصر: دراسة جامعية تحذر من أثر التدخين على طلاب المدارس

عناوين أخرى
- اكتب كوم
- إبدأ مدونتك
- دليل المدونات
أخبار | العاب | المرأة | طالبات | الجامعات | برامج اسهم | بريد | فيديو | تداول | مواقع | منتديات | توصيه | جوال | مدونه | دليل | رساله | رياضه | سيارة | شات | قروبات| منتدى | نوكيا | رمال