استعرض القلم - هنا - يوم أمس شيئاً من حِيل المدخنين، وسيتصدّى اليوم بضغينة «تفكيكية» لحيلة تمسّ المفاهيم من جذورها، حين يجد «عامل المعرفة» نصباً في فهم استشراء آفة التدخين في مفاصل المجتمع هنا، إذ ما أكثر ما يسمع المرء هنا عبارة «إننا مجتمع محافظ»، أو عبارات «الالتزام» التي يُصبح القوم عليها ويُمسون! لكن الوقائع على الأرض تكشف الأبعاد الثلاثة والبعد الرابع.. خذ مثلاً التقرير الذي نشرته جريدة المدينة في عددها رقم 16442، والذي يقول: (كشفت مصادر صحية عن تفشّي ظاهرة التدخين، وتعاطي المعسّلات بين النساء في المملكة بشكل خطير خلال العشر سنوات الماضية، مؤكدة أن ربع النساء في المملكة أصبحن من المدخنات أو مُتعاطيات المعسّل)! كما يشير التقرير إلى نقطة محيّرة، وهي أن النسبة الأعلى بين المدخنات ممن تجاوزن سن الثلاثين عاماً، وأن هذه الظاهرة آخذة في الازدياد!
يا إلهي ماذا يُمكن أن يُقال؟! لقد كنّا نظنّ أن التدخين «المونّث» مشكلة مراهقات، وإذا بها تأتي من قِبل نساء يعشن مراهقة متأخرة بأثر رجعي بعد أن بلغن الثلاثين! أين خصائص المجتمع المحافظ، وهذه الأرقام -الّتي لا تكذب ولا تتجمّل- تفضح حقيقة الأوهام؟! هذه النسبة عالية جداً، رغم المحاولات الجادة المتمثلة في:
أولاً: موقف المؤسسة الدينية يُحرّم التدخين بكل أنواعه بشكل قطعي.
ثانياً: آلاف الأشرطة والندوات والنصائح والمواعظ تحذّر من التدخين.
ثالثاً: منع الإعلان عن التدخين في جميع الصحف السعودية، الأمر الذي جعل الصحف الوافدة تفوز به، لنخسر المعركة مرتين، مرة بحرمان الصحف المحلية من دخل الإعلان، ومرة أخرى بانتشار عادة التدخين بين ظهرانينا، وهو ما يجعلنا تلقائياً نموّل حملاته الإعلانية!
رابعاً: حُوصر المدخنون، وحُظر بيعه في مكة المكرمة والمدينة المنورة، وطُردت المقاهي إلى خارج حدودها.. إلخ. هذه الموانع والعقبات لم توقف زحف المدخّنات، وهو ما عجّل من تبوؤ المملكة للمركز الرابع دولياً، باعتبارها رابع دولة في استيراد التبغ، والأولى عربياً، ولعلّ هذه خصوصية يُمكن أن تسجّل لنا ضمن خصوصياتنا التي لا تنتهي! تُرى، ما الذي يجعل المرأة تلجأ إلى التدخين، بعد أن تجاوزت سن المراهقة، وحين بلغت من الكِبر عتياً، واشتعل رأسها شيباً؟! لماذا كلّما كثرت المواعظ والنصائح التي تنهى عن شيء تفشّى وشاعت ممارسته؟! حتى في أسبوع المرور تزداد الحوادث! وكلما نشطت لجان مكافحة التدخين وانتشرت عيادات علاج إدمانه تضاعف عدد المدخنين.. وكلّما بالغ الناس في وصف المرأة بـ»المحافظة»، تصدمهم الوقائع عن هذه المرأة بما لا تشتهي سفن وعظهم!
إن الأمر لا ينحصر في «سيجارة» تنفثها هذه المرأة، أو «لي» تقبض عليه تلك، إنما الأمر أخطر من ذلك.. إنه سؤال يطرح إشكالية مجتمع يعيش على الوهم، ويكره مواجهة الحقيقة.. ولا عجب في ذلك، فقد قال الشاعر العراقي معروف الرصافي:
نَامُوا وَلاَ تَسْتَيْقِظُوا * مَا فَازَ إِلاَّ النُّوَمُ!
فعلاً من الأفضل أن يتستّر المجتمع بأوصاف مثل «المحافظة» و»الالتزام» و»الخصوصية»، ولو كانت كاذبة، لأن الوهم الحلو خيرٌ ألف مرّة من الحقيقة المُرّة!
